فصل: تفسير الآية رقم (122):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم التنزيل المشهور بـ «تفسير البغوي»



.تفسير الآيات (111- 113):

{لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113)}
قوله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى} قال مقاتل: إن رؤوس اليهود عمدُوا إلى مَنْ آمن منهم عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم فأنزل الله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى} يعني لا يضروكم أيها المؤمنون هؤلاء اليهود إلا أذىً باللسان: وعيدًا وطعنًا وقيل: كلمة كفر تتأذون بها {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُم الأدْبَارَ} منهزمين، {ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} بل يكون لكم النصر عليهم.
{ضُرِبَتْ عَلَيْهِم الذِّلَّة أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} حيث ما وجدوا {إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ} يعني: أينما وجدوا استُضعفُوا وقُتلوا وسبوا فلا يأمنُون {إلا بحبل من الله}: عهدٍ من الله تعالى بأن يسلموا، {وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} المؤمنين ببذل جزية أو أمان يعني: إلا أن يعتصموا بحبل فيأمنوا.
قوله تعالى: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} رجعوا به، {وَضُرِبَت عَلَيْهِم الْمَسْكَنَة ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}.
قوله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} قال ابن عباس رضي الله عنهما ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا شرارُنا ولولا ذلك لما تركوا دين آبائهم فأنزل الله تعالى هذه الآية.
واختلفوا في وجهها فقال قوم: فيه اختصار تقديره: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمةٌ قائمة وأخرى غير قائمة، فترك الأخرى اكتفاءً بذكر أحد الفريقين وقال الآخرون: تمام الكلام عند قوله: {لَيْسُوا سَوَاءً} وهو وقف لأنه قد جرى ذكر الفريقين من أهل الكتاب في قوله تعالى: {مِنْهُم الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُم الْفَاسِقُونَ} ثم قال: {لَيْسُوا سَوَاءً} يعني: المؤمنين والفاسقين ثم وصف الفاسقين فقال: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى} ووصف المؤمنين بقوله: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ}.
وقيل: قوله: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} ابتداء بكلام آخر، لأن ذكر الفريقين قد جرى، ثم قال: ليس هذان الفريقان سواء ثم ابتدأ فقال: من أهل الكتاب.
قال ابن مسعود رضي الله عنه معناه: لا يستوي اليهود وأمة محمد صلى الله عليه وسلم القائمة بأمر الله الثابتة على الحق، المستقيمة، وقوله تعالى: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} قال ابن عباس: أي مهتدية قائمة على أمر الله لم يُضيِّعُوه ولم يتركوه.
وقال مجاهد: عادلة. وقال السدي: مطيعة قائمة على كتاب الله وحدوده، وقيل: قائمة في الصلاة. وقيل: الأمة الطريقة.
ومعنى الآية: أي ذو أمة أي: ذو طريقة مستقيمة.
{يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ} يقرؤون كتاب الله وقال مجاهد: يتبعون {آنَاءَ اللَّيْلِ} ساعاته، واحدها: إنيٌ مثل نحى وأنحاء، وإنيً وآناء مثل: مِعىً وأمعاء وإِني مثل منا وأمناء.
{وَهُمْ يَسْجُدُونَ} أي: يصلون لأن التلاوة لا تكون في السجود.
واختلفوا في معناها فقال بعضهم: هي في قيام الليل، وقال ابن مسعود هي صلاة العتمة يصلونها ولا يصليها من سواهم من أهل الكتاب.
وقال عطاء: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمةٌ قائمة} الآية يريد: أربعين رجلا من أهل نجران من العرب واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى وصدّقوا محمدًا صلى الله عليه وسلم وكان من الأنصار فيهم عدة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم منهم أسعد بن زرارة والبراء بن معْرُور ومحمد بن سلمة ومحمود ابن مسلمة وأبو قيس صرمة بن أنس كانوا موحدين، يغتسلون من الجنابة، ويقومون بما عرفوا من شرائع الحنيفية حتى جاءهم الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم فصدقوه ونصروه.

.تفسير الآيات (114- 117):

{يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117)}
قوله تعالى: {يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك هم الصالحون}.
{وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} قرأ حمزة والكسائي وحفص بالياء فيهما إخبار عن الأمة القائمة وقرأ الآخرون بالتاء فيهما لقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} وأبو عمرو يرى القراءتين جميعا ومعنى الآية: وما تفعلوا من خير فلن تعدموا ثوابه بل يشكر لكم وتجازون عليه، {وَاللَّه عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} بالمؤمنين.
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} أي: لا تدفع أموالهم بالفدية ولا أولادهم بالنصرة شيئا من عذاب الله، وخصهما بالذكر لأن الإنسان يدفع عن نفسه تارة بفداء المال وتارة بالاستعانة بالأولاد. {وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وإنما جعلهم من أصحابها لأنهم أهلها لا يخرجون منها ولا يفارقونها، كصاحب الرجل لا يفارقه.
{مَثَل مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قيل: أراد نفقات أبي سفيان وأصحابه ببدرٍ وأحد على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال مقاتل: نفقة اليهود على علمائهم، قال مجاهد: يعني جميع نفقات الكفار في الدنيا وصدقاتهم وقيل: أراد إنفاق المرائي الذي لا يبتغي به وجه الله تعالى، {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} حكي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها السموم الحارة التي تقتل وقيل: فيها صر أي: صوتٌ، وأكثر المفسرين قالوا: فيها برد شديد، {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ} زرع قوم، {ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} بالكفر والمعصية ومنع حق الله تعالى، {فَأَهْلَكَتْهُ}.
فمعنى الآية: مثل نفقات الكفار في ذهابها وقت الحاجة إليها كمثل زرع أصابته ريح باردة فأهلكته أو نار فأحرقته فلم ينتفع أصحابه منه بشيء، {وَمَا ظَلَمَهُم اللَّهُ} بذلك، {وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالكفر والمعصية.

.تفسير الآيات (118- 119):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)}
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} الآية قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان رجال من المسلمين يواصلون اليهود لما بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع، فأنزل الله تعالى هذه الآية ينهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة عليهم.
وقال مجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين، فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} أي: أولياء وأصفياء من غير أهل ملتكم، وبطانة الرجل: خاصته تشبيها ببطانة الثوب التي تلي بطنه لأنهم يستبطنون أمره ويطلعون منه على ما لا يطلع عليه غيرهم.
ثم بين العلّة في النهي عن مباطنتهم فقال جل ذكره {لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا} أي: لا يقصرون ولا يتركون جهدهم فيما يُورثكم الشَّر والفساد، والخَبَالُ: الشّرُّ والفساد، ونصب {خَبَالا} على المفعول الثاني لأن يألو يتعدى إلى مفعولين وقيل: بنزع الخافض، أي بالخبال كما يقال أوجعته ضربا، {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} أي: يودّون ما يشق عليكم من الضر والشر والهلاك. والعنت: المشقة {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء} أي: البغض، معناه ظهرتْ أمارة العداوة، {مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} بالشتيمة والوقيعة في المسلمين، وقيل: بإطلاع المشركين على أسرار المؤمنين {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ} من العداوة والغيظ، {أَكْبَرُ} أعظم، {قَدْ بَيَّنَّا لَكُم الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}.
{هَا أَنْتُمْ} ها تنبيه وأنتم كناية للمخاطبين من الذكور، {أُولاءِ} اسم للمشار إليهم يريد أنتم أيها المؤمنون، {تُحِبُّونَهُمْ} أي: تحبون هؤلاء اليهود الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي بينكم من القرابة والرضاع والمصاهرة، {وَلا يُحِبُّونَكُمْ} هم لما بينكم من مخالفة الدين، قال مقاتل: هم المنافقون يحبهم المؤمنون لما أظهروا من الإيمان، ولا يعلمون ما في قلوبهم، {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} يعني: بالكتب كلها وهم لا يؤمنون بكتابكم، {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا} وكان بعضهم مع بعض {عَضُّوا عَلَيْكُم الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} يعني: أطراف الأصابع واحدتها أنملة بضم الميم وفتحها، من الغيظ لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم، وعض الأنامل عبارة عن شدة الغيظ وهذا من مجاز الأمثال، وإن لم يكن ثم عض، {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} أي: ابقوا إلى الممات بغيظكم، {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: بما في القلوب من خير وشر.

.تفسير الآيات (120- 121):

{إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)}
وقوله تعالى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ} أي: تصبكم أيها المؤمنون بظهوركم على عدوكم وغنيمة تنالونها منهم، وتتابع الناس في الدخول في دينكم، وخصب في معايشكم {تَسُؤْهُمْ} تحزنهم، {وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ} مساءةٌ بإخفاق سرية لكم أو إصابة عدوٍ منكم، أو اختلاف يكون بينكم أو جدبٍ أو نكبة تصبكم {يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا} على أذاهم {وَتَتَّقُوا} وتخافوا ربكم {لا يَضُرُّكُمْ} أي: لا ينقصكم، {كَيْدُهُمْ شَيْئًا} قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة {لا يَضُرُّكُمْ} بكسر الضاد خفيفة يقال: ضار يضير ضيرا، وهو جزم على جواب الجزاء، وقرأ الباقون بضم الضاد وتشديد الراء من ضَرّ يضُرّ ضّرًا مثل ردّ يردُّ رّدًا وفي رفعه وجهان. أحدهما: أنه أراد الجزم وأصله يضرركم فأدغمت الراء في الراء ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد وضمت الثانية اتباعا، والثاني: أن يكون لا بمعنى ليس ويضمر فيه الفاء تقديره: وإن تصبروا وتتقوا فليس يضركم كيدهم شيئا، {إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} عالم.
قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} قال الحسن: هو يوم بدر، وقال مقاتل: يوم الأحزاب، وقال سائر المفسرين: هو يوم أحد لأن ما بعده إلى قريب من آخر السورة في حرب أحد.
قال مجاهد والكلبي والواقدي: غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزل عائشة رضي الله عنها فمشى على رجليه إلى أُحد فجعل يصفُّ أصحابه للقتال كما يقوم القدح.
قال محمد بن إسحاق والسدي عن رجالهما: إن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزولهم استشار أصحابه ودعا عبد الله بن أُبي بن سلول ولم يدعُهُ قط قبلها فاستشاره، فقال عبد الله بن أبي وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منّا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا، فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشرِّ مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين. فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرأي.
وقال بعض أصحابه: يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب، لا يرون أنا جَبُنَّا عنهم وضَعُفْنَا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني رأيت في منامي بقرا تذبح، فأوّلتُها خيرًا، ورأيتُ في ذُباب سيفي ثَلْمًا فأولتها هزيمةً ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة» وكان يعجبه أن يدخلوا عليه بالمدينة فيقاتلوا في الأزقة فقال رجال من المسلمين ممن فاتهم يوم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أُحد: اخرج بنا إلى أعدائنا. فلم يزالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من حبهم للقاء القوم، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمَتَه، فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا، وقالوا: بئس ما صنعنا، نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه، فقاموا واعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما رأيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمَته فيضعها حتى يقاتل».
وكان قد أقام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس فراح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، بعدما صلى بأصحابه الجمعة وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إليهم، فأصبح بالشعب من أُحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة، فكان من حرب أُحد ما كان، فذلك قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} أي: واذكر إذا غدوت من أهلك {تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ} أي: تنزل المؤمنين {مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} أي: مواطن، ومواضع للقتال، يقال: بوأتُ القوم إذا وطنتهم وتبؤوا هم إذا تواطنوا قال الله تعالى: {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق} [يونس- 93] وقال: {أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا} [يونس- 87] وقيل تتخذ معسكرا، {وَاللَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

.تفسير الآية رقم (122):

{إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)}
{إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا} أي: تَجْبُنا وتضْعُفا وتتخلفّا والطائفتان بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، ودنا جناحي العسكر وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أُحد في ألف رجل، وقيل: في تسعمائة وخمسين رجلا فلما بلغوا الشَّوْط انخذل عبد الله بن أبي بثلث الناس ورجع في ثلاث مائة وقال: علام نقتل أنفسَنا وأولادَنا؟ فتبعهم أبو جابر السلمي فقال: أنشدكم بالله في نبيكم وفي أنفسكم، فقال عبد الله بن أُبي: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وهمَّتْ بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أُبي فعصمهم الله فلم ينصرفوا فذكرهم الله عظيم نعمتهِ فقال عز وجل: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّه وَلِيُّهُمَا} ناصرهما وحافظهما.
{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن يوسف عن ابن عيينة عن عمرو عن جابر قال: نزلت هذه الآية فينا {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّه وَلِيُّهُمَا} بنو سلمة وبنو حارثة، وما أحب أنها لم تنزل والله يقول: {وَاللَّه وَلِيُّهُمَا}.